السيد كمال الحيدري

291

السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)

التعليقة الرابعة : والكلام المتقدّم أعلاه ينطبق أيضاً على الآية الكريمة وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . . . إذ ما لم تصدق صفة الإيمان على الطرفين في النزاع لا يمكن الاستشهاد بهذه الآية . على أن الآية في مقطعها الأوّل تحدثت عن « الاقتتال » بين طائفتين موصوفتين بالإيمان وطالبت بالإصلاح بينهما ، ونحن نعرف أن أسباب الاقتتال كثيرة منها : الجهل ، أو الوشاية الكاذبة ، أو الخديعة المغرضة ، أو غير ذلك من الأسباب التي تشعل شرارة الخلاف والصراع والاحتراب . ولكن الآية ذاتها غيّرت من وصف الإيمان الذي لحق الطائفتين في الحالة المذكورة إلى وصف « البغي » الذي لحق طائفة واحدة فقط في الحالة الثانية ، وإذا كان الموقف الأوّل الذي دعت إليه في الحالة الأولى هو « الإصلاح » فإنّها دعت هنا إلى « مقاتلة » الفئة الباغية : مما يعني استباحة دم أفرادها وجواز قتلهم . وحتى بعد رجوع هذه الطائفة واعترافها بالحقّ فإنّ القرآن الكريم بقي حريصاً على « الإصلاح » ولكن ب - « العدل » هذه المرّة . أي مع استيفاء جميع حقوق الفئة المبتغى عليها من الفئة الباغية كحقّ الطاعة وحقّ القصاص وحقّ التعويض المالي وغير ذلك مما تسبّبت به من أضرار . وهذا التفريق الذي تقيمه الآية بين « الاقتتال » الذي قد يحدث لسبب من الأسباب ، وبين « البغي » الذي ينشأ عن الظلم والعدوان ، يمنع من انطباق وصف الإيمان على الفئة الثانية ، ويدعونا إلى التحقُّق من طبيعة موقف كلتا الطائفتين قبل الحكم على كلّ واحدة منها بالإيمان أو البغي ، ولا شكّ في أن إجماع المسلمين قديماً وحديثاً منعقد على وصف طائفة معاوية بالبغي وعلى ذلك تتظافر كلّ شواهد التاريخ الإسلامي . ومن اللطيف أنّ هذه الآية تأتي متوافقةً في ألفاظها مع البيان النبويّ ؛ إذ هي استخدمت في البدء لفظة « طائفة » لوصف الطرفين ولكنها أبدلتها حين